الموقع تجريبي


صحيفة متحررة من التحيز
الحزبي والطائفي ونفوذ مالكيها

   


اعلان تجاري

أعمدة

عن التظاهر على الحكومة الجديدة
جمال الخرسان 
الضحية قناعا
عقيل عبد الحسين 
الشيوعيون وتبدل الأزمان
سلوى زكو 
التحالف (السني) ضد داعش
منتظر ناصر 

رأي



داعش والعمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي
نازلي إيليجاق
 
البحرين تتلقى الخطة السياسية الأخيرة بتظاهرات منددة
سايمون هندرسون
 
تسليم صنعاء للحوثيين ستدفع ثمنه دول الخليج!
د. خيام الزعبي
 
أوباما ضد الدولة الإسلامية
آن ماري سلوتر
 
تركيا.. مذكرة سوريا والعراق
مصطفى أونال
 

ثقافة



بغداد – العالم الجديد
تمهيد لدراسة فلسفة الدين


مشروع المونودراما التعاقبية - فاروق صبري


(مراوغون قساة).. جديد القاص الأردني يوسف ضمرة


أزمنة اللاعشق

 

ثقافة

دفتر بغلاف معدني: ذاكرة ناصر مؤنس الشعرية

عبد الكريم كاظم
الاثنين 8 أيلول 2014

(إن المحافظة على الذاكرة هي التأمل في النسيان/ مارتن هايدغر)

 

1

الذاكرة الشعرية وشروطها..

ورد عن أحد الرهبان في القرن الثاني عشر الميلادي قوله: (الشاعر الذي يجد وطنه أثيراً لم يزل غرّاً طري العود، أما الذي يرى وطنه في كل مكان فقد بلغ القوة غير أن الشاعر لا يبلغ النص الشعري إلا إذا عدّ العالم، المتصل بالذاكرة، بأجمعه نصاً قريباً إليه) والذاكرة ليست لحظة عابرة فحسب إنما هي مكان ـ زمان يمارس فيه الشاعر طقوساً مغايرة في الكتابة والتأمل، من هنا أيضاً تمارس الذاكرة قدرة الانتماء إلى المكان، تحديداً، وتحول دون ظهور المعنى العابر الموازي للحظة زمنية ما يحاول من خلالها الشاعر إعادة تشكيل نصه الشعري حسب مقتضيات الذاكرة وشروطها ومن الحق النقدي أن نوصف هذا الأمر بشقاء شعري أبدي، والشاعر الذي اقتلع من المكان الذي ولد فيه، لأسباب مختلفة، قد ينجح في مدّ جسور من الشعر مع المكان الجديد الذي أصبح فيه، فالنصوص لا تتآكل، بالمعنى الرمزي، بل تنطوي على ذات شعرية ولغوية تستعيد كينونة النص المتماهية مع العالم من جهة والمتمادية مع الذات من جهة أخرى، وهذا ما لمسناه في هذه الجمل الشعرية: (قصة قارب: كان وحده على الشاطئ مقيداً بسلاسل من الذهب/ لا تحزن أيها القارب: صيحاتك أدعية وموتك ضريح) وكذلك في هذه المقاطع: (على سرير من عشب الأيام: يا حبل السنوات الطويل/ أيها الخريف المقيم أبداً/ كن ألطف حزناً من حضن وقلنسوة).

 

في كتابه الشعري الجديد، يعرف الشاعر نفسه مثلما عرف نصه، تأريخ التقاط الصورة يشبه تأريخ ولادته، بالصدفة يقرر العودة إلى الذاكرة، ففي تلك الأيام المرعبة التقى بنصه وهو يذرع مدينة بغداد طولاً وعرضاً وعندما كان يهيمن الخوف على النص يلتجئ إلى المعنى المتواري بين الحروف، أليس هو القائل في مقدمة هذا الدفتر المؤطر بغلاف معدني: (بدأت كتابة هذه النصوص في زمن دكتاتور بغيض أجبرتنا حماقاته على الغرق في مصير مأساوي ومحيطات من المرارة) لقد كانت ذاكرة الشاعر تشده من كل جانب حتى عودته للماضي فكان خوفه ودهشته، ولعه وبحثه عن المعنى النائم في تفاصيل الماضي، ويبدو لي أيضاً أن عودة الشاعر إلى الماضي ليست غراماً بالماضي أو حنيناً للمكان الأول بل هي عودة متصلة بالمعنى الموازي لتلك اللمحات الشعرية ويحضرني في هذه الجزئية، قولان مقاربان ومتصلان بالماضي والمكان: الأول لسركون بولص يقول فيه: (أيها الماضي أيها الماضي، ماذا فعلت بحياتي)، والثاني لشيخنا ابن عربي: (فإن غرامي بالبريق ولمحه وليس غرامي بالأماكن والتُربِ) لنقرأ ما كتبه الشاعر عن الماضي المتماهي مع التجربة الذاتية: (يا لتلك الأشعة الواهنة التي تربطني بالماضي/ يا للمعدن الذي يضيء ظلمة السنوات)، وكذلك (الذاكرة لا تحضر في الحقيقة إلا كشارع مقفر والماضي ليس سوى حياتنا الحالية المقلوبة) ومع هذا ظلت معضلته الرئيسة (الخوف) تشغله باستمرار حتى لو لم يصرح بها، لقد الف حياة الخوف في عراق الصوت الثقافي الواحد فتوصل إلى قرار الخروج فكان لا بد وأن يزج بهذا الدفتر في مكان ما وقد لمسنا ذلك في قوله: (دفتر خبأته في صندوق قرابه (23) عاماً وغادرت البلاد).

 

تندرج الذكريات في عداد التأملات الذاتية، فهي تستعاد عندما ينطوي معنى الحاضر على تراكمات الماضي واسقاطاته، ولكن هناك تأملات ذاتية متصلة بالكتابة ومخيلة الشاعر تأتي عند الجمع بين عدة معان في إطار التجربة الذاتية نفسها الموازية للكتابة، وهي تجربة من نوع خاص تتمثل في نقل المعاني المتماهية مع الذكريات لحاضر لا يعكس المنحى الفردي لدى الشاعر وأعني ما يسعى إليه الشاعر لاستيعاب معنى المخيلة أو الكتابة والإحاطة باسرارها، لذلك جاء قوله هنا: (الكتابة لا تقول الصواب، إنها تبعد الخيال، تجعله غريباً وزائفاً) ولم يقتصر المعنى هنا على تحديد شكل الكتابة ودلالاتها ورموزها بوصفها واحدة من مقومات الإبداع حتى وأن تغير فهم الذكريات بمرور الزمن ومع ذلك يحاول الشاعر في مقدمته للكتاب إلى إبراز أهم مراحل الذكريات ومسيرتها، إضافة إلى التعرض للتفاصيل المنسية والجزيئات الضائعة في فضاء الكلمة لذلك ذهب الشاعر في قوله هنا: (ممزقة هذه الشباك ولا تستطيع صيد الكلمات) إلى صعوبة التقاط الذكريات، وهو يتأملها من خلال كلمة الشباك، وإعادة ارتباطها باللغة الشعرية المتمادية مع تغيير المعنى المستعار من الماضي، وكأن الشاعر ينظر إلى نفسه (صورته/ نصه) في ظروف متشابهة لا تختلف عما كان عليه الماضي (في صورته الأولى) الذي لم يكن منفصلاً عن الحاضر (في تأمل صورته نفسها)، وقد جاءت هذه المقاربة من خلال العبارات الموجزة الواردة في مقدمة كتابه الشعري: (مدفوعاً بعناد الخاسر وبحماس المنفي الذي يحرس الذكريات).

 

2

العودة إلى عالم الشعر..

لقد لقيت تركة الشاعر، أعني بداياته مع كتابة الشعر، معالجة فنية عميقة في كتابه الجديد الصادر عن دار مخطوطات (2014) والمعنون (دفتر بغلاف معدني) فالشعر، عند ناصر مؤنس، صنعة شبيهة بالحياكة والصياغة أما مضمون الشعر فأشبه بالمواد التي يشتغل بها أصحاب المهن والصناعات، ولكن ناصر يختلف عن مجايليه في كونه يؤكد على أن الشاعر ـ الصانع يجب أن يسعى إلى التغيير الجذري لطبيعة المواد ـ اللغة التي يعالجها ويكتب بها، من هنا يمكننا القول أيضاً أن الشاعر يذهب إلى اللغة مثلما يذهب إلى الذكريات والألوان والأوراق والقماش في إطار رؤيته الفنية للمضمون أو للشكل المتصل بالنص الشعري بحيث يبدو هذا الأخير مجموعة من التشكيلات الجمالية المتنوعة التي تحاول القراءة النقدية التوفيق بينها لذلك جاءت تجربته المستعادة هذه بإطارها الجديد، فهو لا يذهب إلى الذكريات المتمثلة بالماضي وحسب بل إلى نوع من الرغبة في الاشتغال بصناعة النص ولذلك يمكن تشبيه الذكريات في هذا الكتاب بالمواد الخام التي يستخدمها الشعراء ـ الصناع لتحضير وترميم وإستعادة مصنوعاتهم ـ نصوصهم، ولكن للذكريات، كمادة لكتابة ـ صناعة الشعر، سمات خاصة تتعلق بخصوصية التجربة الذاتية التي تحضر بها النصوص بشكلها أو أسلوبها الأول وتوظيف الظروف المعرفية الجديدة لاستعادتها وفي هذه الذكريات لايطرح الشاعر نصوصه بطريقة حرفية محضة أو مستعادة وإنما طرح تأويله الشخصي الذي استوعبه من المعاني المتصلة بالتجربة التي مكنته من أن يعيد صياغة المعنى أو حياكته، من هنا يمكننا تفكيك هذه الجمل التي جاءت في مقدمته: (كَوَاغِدُ: التذكارات هذه، العدم الذي هجره الجميع/ مازلت أتشبث به قليلاً، إذا لماذا اللجوء إلى المجاز/لماذا العودة إلى نص غائم؟) وكذلك في هذا النص المعنون: (الشمس دمية منسية في الليل: وانطلقت، أسابق فرساناً يمتطون طائرات من ورق لأني كنت على موعد مع سحابة، تنتظر وحيدة على شاطئ، تحلم بسفن وقوارب)، وكذلك في هذا الشطر: (وأصبحت المدينة مثل جرس يقرعه إعصار مجنون).

 

ثمة لحظة ما قد تدفع القارئ إلى السؤال: أين كانت هذه النصوص بعد كل هذه السنين؟ قد تبرز من خلال السؤال إجابة ما تتصل بموقف الشاعر ومفادها أن الشاعر لم يشعر، للوهلة الأولى، تجاه هذه النصوص بأي نوع من الحنين وبأنه لا يمكنه العيش هناك مجدداً، وأعني مكان كتابة النصوص، وثمة سؤال آخر: هل يستطيع الشاعر الذي يعيش في المنفى أن يعود مجدداً إلى مكانه الأول؟ علينا أن لا نرى في الإجابة أو السؤال أي نوع من أنواع الحنين العابر، المشكلة أننا لم نعد نعرف أبداً كيف نخرج من هذه السمة الأغريقية المتصلة والمتمثلة بالحنين أو العودة للماضي، لأن النص الشعري ليس مسقط الرأس وحسب بل الحيز الذي يدعنا نشعر بأبسط حقوقنا المعرفية والإنسانية، لذلك تبدو نصوص هذا الدفتر هاجساً لغوياً لا يتمثل بمكان ما أو زمان، بمعنى آخر أنها العودة الأبدية لعالم الشعر، لنقرأ هذه العبارات: (ساحر يكسر اطباق الكلمات ويتكلم عن أساطير نائية، لكني مشغول بما يظهر في الجانب الاخر، الساحر خرج من ذاكرتي، لكنه ركب القطار الخطأ). وقد تستدعي هذه النصوص، أيضاً، سؤالاً طرحه ميلان كونديرا في روايته المعنونة الجهل التي تتحدث عن شخص من أوروبا الشرقية عاد إلى وطنه بعد فترة طويلة في المنفى: (لماذا علينا أن نسأل دائماً عن عودة المنفي إلى بلاده؟) من خلال هذا السؤال يمكننا القول، لقد أدرك الشاعر، من خلال نصوص هذا الدفتر، انه لن يتمكن من العيش أبداً في مكان كتابة النصوص الذي كان يعتبره وطنه وأن كل ما كان، هناك، لم يعد يعنيه، لأنه تغير من الداخل المتصل بالمعرفة والوعي، اللغة والشعر، فقفل عائداً للمنفى مع نصوصه، يتأملها من جديد ويعيد صياغتها ويتماهي مع تلك التجربة التي كتُبت فيها نصوص هذا الدفتر، وقد نتلمس في هذه الكلمات جدي/ الحارس/ الغابة الواردة في المقاطع الشعرية الآتية ما ذهبنا إليه من تفسير متصل بالمنفى: (كيف تقتل بتلذذ: مرة خبأني جدي في جيب سترته الأيمن وخرجنا للغابة نصطاد، فعشقت ابنة حارس الغابة، حاول حارس الغابة قتلي، فقتل جدي).

 

هذه الجمل الشعرية: (الدورة الدموية للحياة: كبش كبير انحرف عن القطيع/وراء زهرة حمراء قانية/وتبعته الخراف كلها) هي مزيج من الاحساس بالخروج عن الحشد والنفور من الماضي أو عدم إمكانية الانتماء الحقيقي المتصل بالكتابة المتصلة بثقافة الصوت الواحد كما أسلفنا، وهي ثقافة تقوم على فكرة عقائدية مغلقة تقوم على تدجين الحياة والأدب والإنسان وتقترح، بمنتهى الوقاحة، هويتها العقائدية ومكوناتها التعبوية فيتعالى التنميط أو التسطيح الثقافي ويتلاشى العمق المعرفي والشعري، الفلسفي والنقدي، كما يمكننا القول أيضاً، يشكل النص الشعري، في هذا الدفتر، صوراً عن الانتماء إلى عالمين: الأول، يقود إلى نوع من الترفع الفني والجمالي والثاني، يقود إلى الرهبنة الروحية المتصلة بالكتابة الشعرية، وفي ظل هذه الحالة، المتصلة بهذين العالمين، بدأت هذه النصوص بالانخراط في حركية الحياة وبدأ الشاعر بإستعادة صياغتها بأسلوب جديد يرصد المعنى ويكتشف الدلالة، والشعر هو معرفة الظهور، الموازي للمعنى والدلالة، بوصفها اكتشافاً جديداً لمناطق من الكينونة، متصلة بالنص والشاعر، ما تزال مجهولة، إضافة لحالة من التجاوز للواقع القائم في ذلك الماضي المثقل بالمحن، ويسعفنا في هذا الأمر ما قاله الشاعر شارل بودلير إلى (اعتبار الشعر تجاوزاً للواقع العيني) لنقرأ هذه الالتقاطة: (نحتاج إلى الكثير من الوهم، الكثير من الخرافة، وإلى قضاةٍ يكتبون في كهوف أحلامهم: الجريمة اقتصاد في الحياة).

 

خاتمة: خفايا الذاكرة..

التطابق بين ذاكرة الشاعر وتجربته سببه إصرار كل منهما على التمسك بموقفه الإنساني والمعرفي والشعري، فالشاعر هنا بحاجة ماسّة إلى إستعادة التجربة الموازية للذاكرة وتدوينها، ولو عدنا ندقق في ما أتى ناصر مؤنس على تدوينه في كتابه الشعري الجديد (دفتر بغلاف معدني) من أمر الذاكرة وتفاصيلها أو تقاطعاتها، أوجاعها ومراراتها لوجدنا أنه يسرد من التجارب الذاتية ظواهرها المتصلة بعللها الثقافية الكامنة في الماضي، وعليه ستبقى الذاكرة الشعرية ركناً من أركان النص الشعري، مثلما تعّد منطقة جذب لإحساس القارئ خصوصاً عندما تُكتب بدقة وتركيز، من هنا تتضح خفايا أو مهارة الذاكرة، في أبعدها وإيحاءاتها، إيماءاتها ورمزيتها.

 

طباعة الصفحة شارك في تويتر شارك في فيسبوك ارسل الى صديق

 

مواضيع ذات صلة

مؤيد الراوي وأحلام الملك كوديا: حين تُصاغ الذاكرة بلغة الشعر

غبطة النص الشعري

زينة عازار: شاعرة تنساق وراء غيومها

(الموت فن ككل شيء آخر) لـ: عبد الكريم كاظم

(الشاعر بقبعة الغريب) جديد عبد الكريم كاظم


للتمتع بأفضل مشاهدة ولمزيد من الامان استخدم متصفح Firefox