الموقع تجريبي


صحيفة متحررة من التحيز
الحزبي والطائفي ونفوذ مالكيها

   


اعلان تجاري

أعمدة

عن التظاهر على الحكومة الجديدة
جمال الخرسان 
الضحية قناعا
عقيل عبد الحسين 
الشيوعيون وتبدل الأزمان
سلوى زكو 
التحالف (السني) ضد داعش
منتظر ناصر 

رأي



داعش والعمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي
نازلي إيليجاق
 
البحرين تتلقى الخطة السياسية الأخيرة بتظاهرات منددة
سايمون هندرسون
 
تسليم صنعاء للحوثيين ستدفع ثمنه دول الخليج!
د. خيام الزعبي
 
أوباما ضد الدولة الإسلامية
آن ماري سلوتر
 
تركيا.. مذكرة سوريا والعراق
مصطفى أونال
 

ثقافة



بغداد – العالم الجديد
تمهيد لدراسة فلسفة الدين


مشروع المونودراما التعاقبية - فاروق صبري


(مراوغون قساة).. جديد القاص الأردني يوسف ضمرة


أزمنة اللاعشق

 

 
أصداء الكتابة
 
عقيل عبد الحسين

الاثنين 22 أيلول 2014


يوميات معلنة وغايات مضمرة
 

كتابة اليوميات، ربما، لا تشغل إلا الكاتب الذي يعيش حياة شبه مسترخية، وحياة واضحة الحدود، إلى درجة يبدو فيها الخروج عن الحد المرسوم والمتعارف عليه بيّنا، مثلما يكون خروج المجتمع من مرحلة إلى أخرى وما يصاحبه من تغيّرات كبيرة في التقاليد، أو العادات، أو الثقافة، بيّنا. وعلى هذا الأساس بُنيت يوميات جمال الغيطاني، الروائي المصري، التي جاءت تحت مسمى (يومياتي المعلنة). وتضمنت بعدا نقديا مباشرا، وبعدا تأمليا. سوف أناقشهما في هذا المقالة.

 

ويأتي البعد النقدي المباشر، في يوميات الغيطاني، من ملاحقته للوقائع العادية التي يمرّ بها الكاتب يوميا، ويدوّنها في اليوميات، ومما تتضمنه هذه الوقائع من مشكلات أخلاقية وسلوكية تؤثر في المجتمع المصري. مشكلات أصبحت تتراكم وتتأصل، فيما يسميه الكاتب، العالم السفلي للقاهرة. وهو عالم موازٍ للعالم الظاهر الذي يبدو متماسكا أخلاقيا وسلوكيا وثقافيا. وهذا العالم الظاهر للقاهرة يقابله العالم السفلي الذي يقوم على مجموعة من الجرائم، بدأت تعرف طريقها إلى "مجتمعنا - يقول الغيطاني - بسبب تغيّر السلوك والعادات والقيم. وأخشى أن يتمّ التعامل معها كأمر واقع".

 

وأظن أن وظيفة الأدب والأديب والمثقف، في اليوميات على الأقل، هي أن يُفعِّل الحساسية الجماعية تجاه تلك الانحرافات، لتظل غير مقبولة، وغير مألوفة عند الإنسان في المجتمع، وفي المدينة. فالمدينة تقوم على الحساسية العالية من كل ما ينافي الذوق، أو العقل، أو الإحساس السليم، سواء كان ذلك الشيء الذي ينافي الذوق السليم صوتا عاليا أم قذارة أم أبنية متجاورة وغير مؤتلفة المعمار أو غير متقاربة الارتفاعات، أم سلوكا شاذا، كأن يرمي أحدهم من نافذة سيارته قنينة ماء فارغة. ولا نملك بعد هذه الأمور البسيطة جدا، الحديث عن حوادث التحرش التي أصبحت ظاهرة في بعض البلدان كمصر، أو عن المظاهر المسلحة التي غزت بلدانا أخرى كالعراق وليبيا، أو عن مشاهد القتل وتشويه الجثث الذي تعرضها القنوات واليوتيوبات بلا تحفظ أو تنبيه!

 

ويكون تفعيل الحساسية المدينية، كما تقترحها اليوميات أيضا، من خلال التنبيه إلى التغيّرات التي يتعرض لها المكان، وتتعرض لها العادات والتقاليد، وتتعرض لها طرق استقبال المناسبات كرمضان والعيد، والأشخاص كالخال القادم من الصعيد بهدايا الصعيد البسيطة الغالية. وهي تغيّرات يشعر من خلالها جمال الغيطاني أنه عبر من زمن إلى زمن آخر، ومهمته أن يكتب عن هذا الشعور ليجعل القارئ يعيد تأمل صلته بالزمن، وبتأثيره في الوعي وفي الحياة الإنسانية، وينتبه إلى أنه، أي الإنسان، ابن عصره وابن زمنه، ولا يمكن أن يكون ابن شيء آخر. أي أنه لا يمكن أن يكون ابنا لفكرة، أو لأفكار ثابتة، ومسبقة، وخارجة عن حدود الزمن أيا كانت قوتها، وأيا كانت عظمتها، وأيا كان مصدرها. فتلك الأفكار تفترض القوة في من يعتنقونها، والاتصال، والوضوح، وتقود إلى القسوة، والإقصاء، والقضاء على الآخر، وتدمير الحياة، وبصورة ما، إلى تبلد الإحساس بإنسانية الإنسان وبموقوتيته، أو زمنيته، وبإحساسه بالعالم، وبأخيه الإنسان. وهو أيضا، ما يركز جمال الغيطاني في التعبير عنه، في ما يشكل البعد التأملي لليوميات. فصوت الأذان، الذي يبدو دعوة للصلاة، ومظهرا من مظاهر الاختلاف، والهوية، ودعوة لإثبات شيء بالسلوك ونفي أشياء أخرى.. صوت الأذان الشجي هذا، قد يكون "تلخيصا للمصير الإنساني، ينبعث من الأرض متجها إلى عنان السماء، كأنه معبِّر عن حزن المخلوق الذي انفصل عن الخالق، وكأنه تعبير عن غربة الروح الإنسانية في هذا العالم المادي، فيه قوة تعبّر عن رغبة الإنسان في الوصول وتخطي المستحيل، وفيه حزن مُقَطَّر يعبّر عن إدراك الإنسان لعجزه وتقصيره. كأنه شكوى غامضة تعبر عن انقضاء الزمان، ومرور الأيام وانتهاء أجل الإنسان الفرد عند مدى بعينه. استغاثة مهذبة خجول طامعة في الرحمة".

 

وبهذا تتحول اليوميات إلى طريقة أدبية فاعلة تجمع بين اليومي العادي في مظهريته التي يتساوى الناس كلهم في إدراكها وتقبلها والتعامل مع تأثيرها فيهم، وبين التصوري والتأملي الذي يتفرد به الكاتب بما له من وعي وإدراك وإحساس بحركة التاريخ والزمن وتبدل الوجوه والمعالم والثقافة. وإذ يستفيد الكاتب من اليومي والعادي ومن الإنسان العادي في سرد الجوانب المباشرة من حياته وحياة الآخرين وبيان السلبيات وأسبابها والتحذير منها على المجتمع، فإنه يسدي للقارئ العادي خدمة ثقافية، تتمثل في تنشيط حساسيته تجاه الزمن والتغيّرات التي تحصل في محيطه ويمنعه اندماجه في الواقع وذوبانه في مجريات الأحداث من التنبه إليها. وتنشيط حساسية القارئ يحرض فيه مدينيته وعصريته التي قد تضمر في العادة بسبب التكرار والألفة، وقد تزول كليا في الحالات الشاذة التي تمرّ بها المجتمعات كحالات الحروب الداخلية التي تقوم على أساس طائفي، أو ديني، أو على أساس الانتماء إلى أفكار مسبقة تغيّب الخصوصيات والفوارق والخصائص الزمنية التي تميّز الأماكن والجماعات الإنسانية. وهنا يصبح الأدب عامة، وأية كتابة أدبية أخرى، بما فيها اليوميات على بساطتها، ضرورية في إعادة الاعتبار للفرد، ولخصوصيته في النظر والنقد والتأمل والإحساس، وإعادة الاعتبار للذات التي تعيش ظروفا استثنائية تدعو إلى اقتراح أساليب جديدة في النظر والتقبل والتعايش وصولا إلى حماية الحياة الإنسانية. بل والسعي في رقيّها عبر الانفصال عن الثابت من الأفكار والتصورات وعبر، إتاحة المجال أمام الحس الإنساني ليجرب، وليفكر، وليدرك خصوصيته الاجتماعية والزمنية والروحية.

 

طباعة الصفحة شارك في تويتر شارك في فيسبوك ارسل الى صديق
 

مقالات اخرى للكاتب عقيل عبد الحسين  

 

للتمتع بأفضل مشاهدة ولمزيد من الامان استخدم متصفح Firefox