الموقع تجريبي


صحيفة متحررة من التحيز
الحزبي والطائفي ونفوذ مالكيها

   


اعلان تجاري

أعمدة

عن التظاهر على الحكومة الجديدة
جمال الخرسان 
الضحية قناعا
عقيل عبد الحسين 
الشيوعيون وتبدل الأزمان
سلوى زكو 
التحالف (السني) ضد داعش
منتظر ناصر 

رأي



داعش والعمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي
نازلي إيليجاق
 
البحرين تتلقى الخطة السياسية الأخيرة بتظاهرات منددة
سايمون هندرسون
 
تسليم صنعاء للحوثيين ستدفع ثمنه دول الخليج!
د. خيام الزعبي
 
أوباما ضد الدولة الإسلامية
آن ماري سلوتر
 
تركيا.. مذكرة سوريا والعراق
مصطفى أونال
 

ثقافة



بغداد – العالم الجديد
تمهيد لدراسة فلسفة الدين


مشروع المونودراما التعاقبية - فاروق صبري


(مراوغون قساة).. جديد القاص الأردني يوسف ضمرة


أزمنة اللاعشق

 

ثقافة

11 سبتمبر: العالم أصبح ماكدونالد كبير

هم بشر مثلنا (2 – 2)

ميادة خليل
الأربعاء 24 أيلول 2014

مقولة سادت بعد أحداث 11 سبتمبر. ولكن، الأحداث، الحروب، الأزمات هي بيئة المراسلين التي يبحثون عنها دائماً، بدون الحروب "علينا أن نبحث عن مهنة جديدة". منحته الصحيفة التي يعمل بها منحة كبيرة للسفر وحرية غير محددة.

 

"الكره" كما يقول يورس هو سبب كل ما حدث، ولكن هل ساهم الإعلام في القضاء على هذا الكره؟.. هناك ملخص لهذا الكره، ذكره أكثر من عربي له:   "نحن المسلمون فقراء وضعفاء لأننا تحت سيطرة حكوماتنا الديكتاتورية. أنتم الغربيون تساندون هؤلاء الديكتاتوريين. إذا قاتلناكم، اسقطناكم، لذا نحن ندق أسفين التفرقة بينكم". وبعد أحداث 11 سبتمبر تغيّر العالم، وكبرت الفجوة أكثر بين الشرق والغرب، وخاصة مع العالم الإسلامي. المسلم من مصر أو السعودية عندما يبدأ الحديث عن الاسلام يذهب مباشرة الى السجن، أصبح "الحديث عن الدين هو الحديث عن السياسة". وفي تلك السجون يُعذب المسلمون من قبل أشخاص متدربين من قبل الـ سي آي أَي. وهنا يتساءل يورس: كم من الغربيين يعرفون أن ابن لادن تدرب وتسلح في الـ(سي آي أَي) لسنوات، وأن السعودية وباكستان و الـ(سي آي أَي) ساهموا في صناعة المجاهدين، وأن القاعدة لا تريد السيطرة على نيويورك أو لندن.. مكة هي "الجائزة الكبرى".   

 

اليهود بالنسبة للكثير من العرب هم الوجه الآخر لاسرائيل والفكر الصهيوني، لاحظ يورس هذا في كل مكان يزوره تقريباً في العالم العربي. صديقه نبيل المصري كان يقول عن كل أزمة تحدث: سوف تكتشف أن وراءها اليهود، ثم يرفع يده ليقول: I don’t hate the Jewish!. وعن اليهود أيضاً، بيروت، والعاملة التي قدمت له كوكتيل هتلر في أحد البارات. أحداث 11 سبتمبر، الحرب المزعومة على الأرهاب، القاعدة، الاسلام، أصبحت خلطة سياسية واعلامية سحرية لا تخسر في كل مواجهة بين العالم العربي والغربي. صنعت أحداث 11 سبتمبر جبهات جديدة، ومواجهات أكبر وأعمق بين العرب والغرب، وبين العرب فيما بينهم. محاربة الارهاب أصبحت مساوية لمحاربة الاسلام وبالتالي ظهور جبهة الجهاد والمجاهدين المدافعين عن اسلام لا يعرفه أحد. حسب رأي يورس أن هؤلاء المجاهدين هم صناعة الحكم الديكتاتوري العربي، هم ردة فعل على الظلم الموجه ضد الحريات، وضد السياسة الغربية الداعمة لهؤلاء الحكام العرب، وحتى أن البعض ينظر الى السياسة الغربية على أنها سياسات مناهضة للدين الاسلامي والثقافة العربية. العرب ينظرون الى التدخل الغربي بشكل مختلف تماماً عن ما يعتقده الغربيون. "عندما أسأل رجلا مصريا عن مكانة بلده في العالم، يكون الجواب غالباً التالي:  نحن مهد الحضارات، جيشنا هو أفضل جيش في العالم وقناة السويس هي أهم قناة في العالم. هناك مسجد الأزهر في مصر، ومصر جسر بين أفريقيا وآسيا، بين الجزء الشرقي والغربي من العالم العربي والاسلامي. من يحكم مصر يحكم العالم ولهذا دائماً ما تحاول القوى العظمى السيطرة علينا. في العراق يضع الناس مسافة سمع من عراقيين آخرين ليخبروك القصة التالية: لدينا أقدم حضارة، أرضنا أغنى أرض في الشرق الاوسط وفيها الكثير من الغاز والنفط. نحن المفصل الذي يربط تركيا، ايران والعالم العربي. من يراقبنا يملك العالم بين يديه ولهذا تتشدد القوى العظمى ضدنا. وعندما أذهب الى سوريا، أسمع هذا غالباً: بلادنا تشمل ما تملكه الان فلسطين، كانت عندنا لبنان، جزء من الاردن ومحافظة سرقتها تركيا منا. سوريا بمساحتها الحقيقة تمثل إمبراطورية ولهذا مزقتنا القوى العظمى الى أجزاء وتحاول أستعبادنا".

 

القدس عالم آخر

تحدثت صحيفته عن جدوى وجود مراسل في العالم العربي، "ألا يمكن ذلك من داخل إسرائيل؟" وكانت إسرائيل - فلسطين، المحطة المهمة في حياة يورس المهنية، والمحطة التي غيّرت الكثير من وجهات نظره. تعرف على فلسطينيون في رام الله، القدس، قلقيلية وغزة. عاش في إسرائيل، وعرف الوجه الآخر لها، الوجه الذي حاول الأعلام الغربي تجميله دائماً. 

 

قاسم رجل من غزة، مات ابنه وآخر في السجن. "الموت لليهود!" كان يردد قاسم. أعطى قاسم الـ 10.000 دولار التي منحها صدام لعوائل الشهداء والسجناء الى المسجد، "إذا كان ابني مات من أجل المال، فهو متعاون مع العدو. لكن ابني بطل وهو في الجنة". يقول قاسم. السياسيون الفلسطينيون هم الوسطاء بين الشعب والحكومة الأسرائيلية، أنتهازيين يعيش أغلبهم حياة مرفهة، ومتهمون بالفساد أيضاً.

 

اليهود يدفنون ضحاياهم غالباً بتشييع مهيب. هذه الصور يفهمها الغربيون، لكن، كيف لمراسل أن يعرض حزن الفلسطينين في بيوتهم "هناك لا توجد كاميرات". والسبب في ذلك أن الأسرائيليين لديهم وسطاء كثيرين الى الأعلام أكثر من السلطة الفلسطينية. لا أحد يرى الأطفال والنساء الأبرياء وهم يُقتلون، يموتون. ودائماً ما تحاول الحكومة الاسرائيلية تصغير مثل هذه الحوادث مباشرة، كما يقول يورس. "الفلسطينيون يشتكون من الاعلام الغربي دائماً، فهمت ذلك بالتدريج". الاعلام الغربي يختار الصورة، عن الجانب الفلسطيني، "نساء مسكينات، أطفال يصرخون، بيوت مهدمة، والرجال يمشون المشية العسكرية وهم يرفعون قبضتهم بالنصر".

 

في قلقيلية التقى بشباب يدرسون في الجامعة، ولكن لا يمكنهم إكمال دراستهم، لأن السلطة الإسرائيلية منعتهم الذهاب الى جامعتهم في رام الله، ويمضون وقتهم مع الأنترنت. إقامته في إسرائيل لكنه كان يتبع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. هناك جوانب أخرى من حياة الفلسطينيين، تنامي الأمراض النفسية التي يعاني منها الكثيرين، لكن، وكما قال الطبيب النفسي أياد سراج لا زالت هذه الأشياء تابوهات في المجتمع الفلسطيني، وليس من السهل حتى الحديث عنها. أما في رام الله، الحياة عادية جداً. ولكن عدم الخوف من الخطر لاحظه يورس في كل مكان، "عدم الخوف من الخطر ليس شجاعة، هو مثل نوع من التخدير، كل شخص يمارسه بطريقته الخاصة".

 

من مشاهداته في إسرائيل، أكبر محل لبيع الكتب في شارع صلاح الدين صاحبه فلسطيني، يعلق لوحة على واجهة المحل بالشكل التالي: صورة رجل غاضب من الأسكيمو يقول: اسمي ميناشيم وأورشليم لي. راعي بقر بقبعته وجزمته يقول: اسمي شيمون وأورشليم لي. روسي غاضب جداً يقول: اسمي شلومو وأورشليم لي. وهندي غاضب يقول: اسمي بنيامين وأورشليم لي. وفي الصورة الأخيرة فلسطيني مرتبك يقول: اسمي محمد. ولدت في أورشليم، لكنها كانت غلطة!

 

أما النكات التي يقولها الاسرائيليون عن أنفسهم فهي لا تشبه النكت، لأنها ثناء وتمجيد لأنفسهم أكثر منها نكتة. مثلاً، نكتة سمعها يورس من الاسرائيليين: أمريكي، روسي وإسرائيلي وقفوا أمام لافتة مطعم مكتوب عليها: نعتذر عن التقصير، لا يوجد لحم اليوم. الأمريكي سأل: ما التقصير، والروسي قال: ما هو اللحم؟ أما الاسرائيلي كان يريد أن يعرف: ما هو عذره؟

 

سكن يورس أثناء إقامته هناك في شمال اسرائيل، وسمع شكوى من صاحب المنزل الطبيب المسيحي حول مكالمات هاتفية توحي بالتهديد، ونفس الشكوى سمعها من جارته. خطة التهويد تهدف الى طرد كل غير إسرائيلي من شمال اسرائيل. كم عدد الكاثوليكين الفلسطينيين في إسرائيل؟ حسناً، معظمهم يملك الجواز الإسرائيلي الذي يمكنهم السفر الى أمريكا. 

 

تفجير الحافلات كان يُخفي أزمة أقتصادية غير معلنة في إسرائيل دفعت الكثير من الناس، رغم الخطر، الى استخدام الباص للتنقل بدلاً من سياراتهم. العمليات الأنتحارية ذكرت الكثيرين بالنازية، إلا أن الحقيقة أن "الفلسطينيون الذين ماتوا في الأنتفاضة الثانية كانوا 3 أضعاف الأسرائيليين". ومشكلة العرب ليست مع اليهود، كما يوضح يورس، لكنها مع السياسات الأسرائيلية تجاه العرب. ويذكرنا يورس: "إذا كنت يهودياً في القرون الوسطى فهناك مكاناً واحداً (ماعدا هولندا) آمن لك: العالم الاسلامي. وحتى منتصف القرن العشرين كان يسكن أكثر من مليون يهودي في العالم العربي، تركيا وإيران. تكنولوجيا غرف الغاز كانت متاحة، لكن المسلمين لم يشيدوها على الأطلاق".

 

بالنسبة لهولندا، هي دولة داعمة لاسرائيل، كما يؤكد يورس، الكثيرون غضبوا من مقالاته المؤيدة للفلسطينيين (شارك يورس في العديد من المظاهرات المؤيدة لفلسطين)، لكن حرية التعبير في بلده تكفل له أن يقول أي شيء بدون خوف. حتى مع ظهور الصور المؤلمة لقتل الفلسطينيين كان هناك تحفظ في ردة الفعل الهولندية، في الحوارات عادة ما تكون الأجابة عن القضية الفلسطينية الأسرائيلية التالي: " قلبي مع الشعب اليهودي. لكني أجد أن هناك ثمة حل يجب أن يحدث للفلسطينيين" لا أحد يعرف عن طوابير الانتظار تحت الشمس اللاهبة، ولا عن خوف الفلسطينيين، "في رام الله لا أحد يريد الحديث أمام الكاميرا" يقول يورس، رغم أن: "الفلسطينيون يعبرون عن خوفهم بطرق مختلفة". ولا أحد يعرف عن المخابرات الأسرائيلية وطرقها الخفية في تنفيذ عملياتها، وربما لا أحد سيعرف. لكن من ما عرفه يورس، أن في الأنتفاضة الثانية دخل فلسطينيون مثليون في الخفاء الى بار في تل أبيب. الأمن الأسرائيلي ألتقط لهم صوراً وهددوهم: سننشرها في قريتكم أو تعملون لصالحنا!

 

تجربته في القدس كانت رائعة، كما وصفها، "لأن مصلحة هولندا كانت هائلة" ويقصد ما عرفه من معلومات جديدة بالنسبة للأعلام الهولندي. لكن "صورة المراسلين هي قصتهم، وفي الواقع، الأخبار تشبه خط الأنتاج في المخبز" عمل المراسلين هو تغليف الخبز، وليس نقل الحقيقة. لذا صار يورس يقول: " لم أعد أفهم شيء".

 

وهناك، كتب يورس استقالته لعدة أسباب، منها أنه أراد أن يغيّر العالم، ولكي يحدث ذلك لا يكون بأن ينقل ما يراه كمراسل ولكن بالعمل كناشط، معاناة الناشطين من مصنع الأخبار، ولم يعد دور المتدخل يعجبه بعد الآن. أكثر ما أثر في يورس أثناء عمله هو عجزه عن مساعدة الناس"، وجوه الناس تصرخ لحل ولا يمكنني أن أفعل شيء".

 

الأزمة الفلسطينية، الكره تجاه السياسة الغربية لا يستطيع الاعلام الغربي التغاضي عنه بعبارة: " تشاهدون الليلة على قناة سي أن أن برنامج "Inside The Middle East"..." المشهد في إسرائيل، العلاقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين لا تشبه لعبة كرة القدم، "كرة القدم ممكن أن تتحول الى حرب، لكن الحرب لا تتحول الى كرة قدم، ليس بين الفلسطينيين والاسرائيليين".

 

صدام حسين: نموذج عارٍ للديكتاتورية

نظمت جمعية الصحافة الأجنبية في القاهرة بالتعاون مع وزارة الاعلام العراقية سفرة للصحفيين الأجانب الى بغداد، كان هذا بعد حرب الخليج الأولى، تحرك الصحفيون ضمن برنامج محدد. "المخبرين فوق رؤوسنا"، و"صور صدام واسمه في كل مكان" أول ما لاحظه يورس. ضمن خطط الرحلة زيارة الجنوب، 30 باصا توجهوا الى هناك. زار الامام العباس وهناك بصمة صدام أيضاً. في المسجد استمعوا الى خطبة السيد مهدي فاضل الغريبي، الذي تحدث للصحفيين أيضاً عن مكرمة "السيد الرئيس" وكيلوات الذهب والفضة التي اهداها للضريح. "على الحائط كانت هناك صورة معلقة لصدام وهو يصلي، وشجرة عائلة تثبت أن صدام القائد ابن عم للنبي محمد. السيد الغريبي كان يتعرق من الخوف كلما وجهنا له سؤال". ولكن، لا زالت آثار الانتفاضة الشعبانية في مسجد الامام العباس، وكان من السهل رؤيتها. دم هنا أو هناك. وبعدها أخذوا الصحفيين الى مستشفى "صدام" أيضاً. بعد زيارة يورس لكربلاء كتب مقالاً بعنوان: "الخوف يحكم في كربلاء".

 

لقاؤهم بطارق عزيز كان اشبه بمسرحية، الأجوبة كانت جاهزة. لم يكن بامكانه فتح بريده في العراق، ولا الرد على الاتصالات الهاتفية من الصحيفة التي يعمل لصالحها آنذاك، وهذا سبب غضب مديره وقلقه أيضاً. 

 

في زيارته الثانية للعراق، في حرب الخليج الثانية كما ذكرت سابقاً، بدأت من عمان. دخل بغداد بعد أيام من الاتصالات والمراسلات عبر الفاكس للحصول على تأشيرة الدخول، ودفع رشاوي للحصول عليها "50 دولارا كانت كفيلة بأن ينسوا فحص الإيدز".

 

سكن في فندق الرشيد، وكان برفقته إينما يذهب رجل من الاستخبارات العراقية، يسمونهم "مرافقين" أو "منظمين"، "في بغداد لم أر الديكتاتورية فقط، بل وشعرت بها". يقول يورس "صدام حسين هو أكثر الأنظمة ديكتاتورية في العالم العربي". تشاجر كثيراً مع مرافقه مجدي الذي كان يجبره على زيارة اماكن لا يريد زيارتها، منها إجباره على زيارة المركز الثقافي ليرى "500 صورة لنفس الشخص". صدام حسين. وعندما سأل مديرة المركز لماذا كل هذه الصور لصدام حسين فقط، أجابته السيدة وهي في منتصف الاربعينيات: " هل جننت؟ هل تشك في حبنا لسيادة الرئيس حفظه الله ورعاه؟!". مع كل سؤال بريء وعام تكون الأجابة واحدة : "العراق بلد قوي بفضل القيادة الحكيمة للسيد الرئيس حفظه الله ورعاه،" أو، "أنا متأكد من أن قائدنا لديه حل لذلك." حتى عندما سأل مجدي سؤال بريء آخر: "هل يوجد هنا بيرة هولندية؟" أجابه مجدي على الفور:  "بفضل السيد الرئيس، نحن لدينا كل شيء!".

 

سمع عن امرأة هولندية من أينشده تسكن بغداد. لم يكن هناك سفارة هولندية، حصل على رقم هاتفها من أحد الوكلاء في عمان، أخبره أنها امرأة عجوز تزوجت في بداية الخمسينيات من عراقي مسيحي ولم تخرج من بغداد منذ ذلك الوقت. اتصل بها عدة مرات قبل أن توافق أخيراً على زيارته، "ليس لدي أي علاقة بالكاثوليكيين" ردت عليه عندما عرفت بأنه يعمل في صحيفة "فولكس كرانت" ولم تصدقه عندما أخبرها أن الصحيفة قد تخلت عن طابعها الديني قبل ولادته للتحول الى الطابع التقدمي. وقف مع مجدي أمام البيت، لم تفتح الباب من المرة الأولى، بل فتحت القليل منه، ثم أبقته مغلقاً، وظل مع مجدي واقفاً أمام الباب بعض الوقت قبل أن تسمح لهما بالدخول وردت التحية بانزعاج. تسكن في حي كانت تسكنه الطبقات الراقية في وقت ما. حديقة المنزل كبيرة لكنها مهملة. "ربما لم تملك أن تقول لا،" قال يورس لنفسه. وضح لمجدي أنه يريد إبلاغها سلام السفارة الهولندية، وتحدثا باللغة الهولندية، كانت تتحدث الهولندية كما لو أنها الملكة. السيدة لا يمكنها الخروج من البلاد، لأن الدولة تطلب 2000 دولار للفيزا. زوجها مريض وبحاجة الى دواء لا يمكنه الحصول عليه. تعاني من مرض القلب، وليس هناك علاج لها في العراق، لذا حسبت نفسها من عداد الأموات. حصة الطعام تكفيها، لكنها ذكرت أن عائلة صدام والمقربين لهم  الأولوية في ذلك. كانت تريد خروجهم بسرعة، وقبل أن يخرج سألها: " سؤال واحد فقط لو سمحتي: لماذا أبقيتي الباب مغلقاً كل هذه المدة؟"  فأجابته بحذر: "لم تقل لي أنك ستجلب هذا معك (وأشارت الى مجدي) لقد ظهر في التلفزيون مؤخراً، هو رجل أمن قدير. حفيدتي كانت تنام عندي (16 سنة). لو رآها، سوف يأتي مساءاً لـ ... هل فهمتني؟ كان عليّ أن أجعلها تخرج أولاً من الباب الخلفي". 

 

سمع بعد فترة أن السيدة قد ماتت.. قبل أن يتمكن من مساعدتها. 

بعد 13 يوماً في بغداد خرج قبل أن تنتهي المدة التي وضعها لنفسه بيوم واحد. لم يتحمل الحياة في بغداد، وزيارته الى بغداد لن تجعله يعرف أي شيء جديد، الجميع خائف، الأجوبة ذاتها، وصدام حسين في كل مكان. ذكر يورس قول لسيدة عراقية بعد سقوط صدام: " كأنما شخص ما يجلس في رأسك، وقبل أن تقول أي شيء، يراقب أن كان ما ستقوله ليس خطيراً.

 

كان يورس يتابع أحداث سقوط صدام في العراق من "أم الدنيا" القاهرة. علوج الصحاف، نهاية الديكتاتور، the big bad boy from Iraq، والأزمات التي تلت ذلك، يعزي يورس ما حدث بعد سقوط الديكتاتور الى: "حتى نهاية الحرب العالمية الأولى كانت هذه الأراضي محافظات مستقلة تابعة للأمبراطورية التركية. عندها أحتلتها بريطانيا العظمى، وجمعتها في ما يعرف الآن "العراق". كما لو أنك ترمي البولونيين، سكان شمال ألمانيا والخرونينيين* في مكان واحد وتقول لهم: من الآن أنتم بلد واحد. كانت هذه وصفة لعدم الأستقرار، وهذا بالضبط ما قصدته بريطانيا".

 

في السنة الثالثة من عمله كمراسل في الشرق الأوسط بدأ يردد كثيراً" هذا عالم غريب!". 

 

هم بشرٌ مثلنا

غالباً ما أبتعد عن قراءة مثل هذه الكتب، لأن لدي حكم مسبق عنها، أو لأني أعرف ما يحتويه الكتاب، خاصة وأن كاتبه غربي، ولكني كنت مجبرة لقراءته ضمن حلقة قراءة اشتركت بها. لم أندم على ذلك، بل أن هذا الكتاب شجعني على متابعة يورس ومقالاته وقراءة كتب أخرى له. ليس من السهل أن تكتب بعدالة عن أناس مختلفين تماماً عنك، ويتم تقديمهم دائماً بأغلفة وحشية، متخلفة ومخيفة. الكتاب يضم الكثير من الآراء، القصص، المشاهدات التي تحدث عنها يورس، بالأضافة الى ما ذكرته، منها: أن المراسلين الأمريكيين مدللين ويسكنون في فنادق الخمس نجوم، مقاله عن الشيف رمزي وشهرته في "فولكس كرانت"، برامج أجنبية بنسخ عربية، والديكتاتورية التي تتشعب في كل مكان، في حياة، مشاعر وثقافة العربي، "الديكتاتورية والديمقراطية ليستا من نفس النوع: إذا كانت الديمقراطية سيارة، فان الديكتاتورية بقرة أو حصان". ومقص الرقيب الذي خصص له فصلاً كاملاً. وتحدث أيضاً عن حياة المراسلين، الخطر الذي يعيشونه، إيصال الخبر وعرضه في الأعلام، وعلاقات المراسلين مع بعضهم، وإخفاء مصادرهم.

 

يتحدث يورس في كتابه عن تفاصيل دقيقة من حياة العربي، النكات المصرية عن اسامة الباز ومبارك والصعايدة، السوريين عن الحمصيين والعراقيين عن الدليم، وذكر العديد منها في كتابه. 

 

يورس ذكي جداً في كتابة آرائه الشخصية دون أن يؤثر ذلك على الحقيقة، ما يقوله لا يختلف فيه عربيين أثنيين، وهذه معجزة حقاً. بالأضافة الى أسلوبه الممتع في الكتابة الذي جعل الكتاب يختلف عن أي كتاب آخر لنفس الموضوع.

 

وأخيراً يلخص يورس انطباعه عن العالم العربي: 

"إذا كان يمكنني أن أضع العالم العربي في صورة واحدة ، فأني سأختار هذه المحاكمة الصورية: الأنظمة التي تضع بخبث كل معارضة في خانة "الأرهاب"، الغرب يقف معها، يرى ذلك وعند اللزوم يمد يد المساعدة. ولهذا المعارضة لن تبدو واضحة أن كانت  بديلاً عن الأسلام الفاشي أم عن المسيحية الديمقراطية. والحقيقة هي في البحث عن الديكتاتور الذي صنع هذا النظام الصعب جداً".

 

* خرونينين: مقاطعة هولندية

 

طباعة الصفحة شارك في تويتر شارك في فيسبوك ارسل الى صديق

 

مواضيع ذات صلة

هم بشرٌ مثلنا (1 – 2)

غزة مذلة الإسرائيليين.. والحياة العصية على الموت

إسرائيل والعرب.. من المشبوه إلى المكشوف

السياسة الإسرائيلية والتحدي الفلسطيني

ربيع علم الدين: هذا عالمي أيضا (2 – 2)


للتمتع بأفضل مشاهدة ولمزيد من الامان استخدم متصفح Firefox