الموقع تجريبي


صحيفة متحررة من التحيز
الحزبي والطائفي ونفوذ مالكيها

   


اعلان تجاري

أعمدة

عن التظاهر على الحكومة الجديدة
جمال الخرسان 
الضحية قناعا
عقيل عبد الحسين 
الشيوعيون وتبدل الأزمان
سلوى زكو 
التحالف (السني) ضد داعش
منتظر ناصر 

رأي



داعش والعمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي
نازلي إيليجاق
 
البحرين تتلقى الخطة السياسية الأخيرة بتظاهرات منددة
سايمون هندرسون
 
تسليم صنعاء للحوثيين ستدفع ثمنه دول الخليج!
د. خيام الزعبي
 
أوباما ضد الدولة الإسلامية
آن ماري سلوتر
 
تركيا.. مذكرة سوريا والعراق
مصطفى أونال
 

ثقافة



بغداد – العالم الجديد
تمهيد لدراسة فلسفة الدين


مشروع المونودراما التعاقبية - فاروق صبري


(مراوغون قساة).. جديد القاص الأردني يوسف ضمرة


أزمنة اللاعشق

 

 
 
مروان ياسين الدليمي

الأربعاء 24 أيلول 2014


هزيمة الثقافة أم انتصار للمقاومة؟
 

منذ أن غادرت القوات الأميركية العراق نهاية عام ٢٠١١ وبعضهم يردد مبتهجا على مسامعنا بأن "الأميركان قد خسروا معركتهم في العراق أمام صلابة المقاومة"!

 

تبدو المعركة لدى أصحاب هذا الرأي ــ بكل ما يحمله من تبسيط وتسطيح لطبيعة الدور الذي لعبه الأميركان في العراق ــ وكأنها ذات بعد عسكري لا غير!

 

مايؤكد خطأ هذا الاعتقاد، كل مؤشرات الواقع الذي بتنا نعيشه بكل قساوته ومرارته، بعد أن ابتلع الطعم الأميركي معظم العراقيين، وذلك عندما أزاحوا من قناعتهم، انتمائهم للوطن، ليحل بدلا عنه انتمائهم الفئوي.

 

فالمعركة بوجهها الثقافي ــ وليس العسكري ــ جوهر إستراتيجة المواجهة الأميركية مع المجتمع العراقي، فمن خلالها تم تفتيت ثوابته الإنسانية والأخلاقية التي حصّنت وجوده واستمراره بكل تنوعه طيلة تاريخه، وكانت الثقافة، بمفهومها وإطارها الإنساني العام، آخر جدار منيع يتخندق خلفه العراقيون عندما كانوا يواجهون المحن على مدى تاريخهم.

 

فالمعركة بدأت صفحتها الأولى مع بدء الحصار الدولي على العراق اثر غزوه للكويت عام 1990، عندها بدأ العراق يفرغ شيئا فشيئا من العقول التي كانت تتنتج هويته الإنسانية بكل روافدها وملامحها الثقافية، ولتنتكس متراجعة إلى الخلف القيم الأخلاقية التي كانت تشكل أسسسا ثابتة يقف عليها المجتمع.

 

ثلاثة عشر عاما من حصار دولي لم تشهده البشرية طيلة تاريخها تركت جروحا عميقة في بنية ونسيج العلاقات الاجتماعية، أفرزت جيشا من العاطلين عن العمل والسراق والقتلة والانتهازية، مما مهد أرضية صالحة لشيوع مظاهر الرشوة والفساد الإداري في الدولة العراقية بشكل لم يكن معهودا في منظومة الحياة الاجتماعية.

 

هذا الإجراء الذي وقفت أميركا خلفه، لم يكن إلا مقدمة أولى للصفحة الثانية من المعركة عندما وطأت أرض بغداد قدم أول جندي أميركي في 9/ 4 / 2003.

 

وعليه سيكون من الخطأ بمكان أنْ نصل في استنتاجاتنا لطبيعة الصراع مع الوجود الأميركي في العراق بين 2003 و2011 إلى نتيجة لا تعكس حقيقته وجوهره، ولتُختَصَر بشكل مُبسَّط على أنّها مواجهة مع مجاميع مسلحة كانت تظهر هنا وهناك  تحمل اسم المقاومة.

 

الأخطر في هذه المعركة لا يكمن في المواجهة المسلحة، ولا عدد الضحايا الذين وقعوا، ولا البيوت ولا المنشأات التي دمرت، إنما في المسار الثقافي لهذه المواجهة. وقد تكفل بهذه المهمة ساسة وقادة الأحزاب العراقية بكل انتماءاتهم الدينية والقومية، أولئك الذين كانوا يعارضون نظام حزب البعث، وجاؤوا مع قوات الاحتلال الأميركي، وكانوا على درجة عالية من التبعية والضعف والخضوع لكل ما تمليه عليهم الإدارة الأميركية من أوامر وتعليمات، فتولوا نيابة عنها المضي في مسار استكمال تدمير ما تبقى من روابط وثوابت قيمية تجمعُ النسيج الاجتماعي العراقي.

 

كانت الخطوة الأولى في هذا المسار تفكيك مؤسسة الجيش العراقي، بما يشكله الجيش من ضمانة لوحدة العراق وأمنه، ولتحل بدلا عنه ميليشيات ومجاميع طائفية مسلحة أشاعت الخوف والرعب والهلع في المجتمع، ثم تبعت ذلك جملة من القوانين والقرارات حُشرت في دستور البلاد الجديد، وبموجبها تم تكريس الانقسام المجتمعي على أسس طائفية واثنية وقومية، وبتنا نسمع وفق ذلك مفردات جديدة مثل مفردة (المكوّنات) التي رددها الساسة بدل مفردة الوطن، وأصبح الشعب كذلك يرددها وراءهم مثل الببغاء، لتتحول يوما بعد آخر هذه المفردة إلى قناعات وممارسات ومشاعر ومواقف تمكنت من تقسيمه إلى طوائف تتحصن في خنادق متقابلة وهي تكن العداء والكراهية لبعضها بعضا.

 

لم نعد بعد هذا مع بعضنا بعضا كما كنّا على فطرتنا. لم نعد إخوة، ولا أصدقاء ولا زملاء، حتى أنّ الكثير منّا بات لا يشعر بالألم ولا التعاطف مع الضحايا عندما يجدهم يقعون هنا وهناك، طالما لا ينتمون الى مِلّته!

 

بل ما عاد يتردد بعضنا في أن يُجاهر علنا بالسخرية والاستهزاء بالمعتقدات الدينية لغيره، دون أن يراعي مشاعره! وعلى العكس من ذلك، أصبحنا نراعي مشاعر أي ملة أجنبية تعيش بعيدا عنّا حتى لو كانت في أقصى الكرة الأرضية - فقط من باب النكاية بأبناء وطننا ـ وليس مهما إنْ كانت تعبدُ روث البقر أو تقدس زواج المرء من الكلاب!

 

فهل بعد هذا الخراب الذي أصاب ثقافتنا في عمقها الاجتماعي يمكن للبعض ــ من دعاة المقاومة ــ أن يبقى يصدع رؤوسنا ليل نهار وهو يردد على مسامعنا أن الأميركان قد خسروا معركتهم في العراق؟

 

* مروان ياسين الدليمي: كاتب عراقي

 

طباعة الصفحة شارك في تويتر شارك في فيسبوك ارسل الى صديق
 

مقالات اخرى للكاتب مروان ياسين الدليمي  

 

للتمتع بأفضل مشاهدة ولمزيد من الامان استخدم متصفح Firefox