الموقع تجريبي


صحيفة متحررة من التحيز
الحزبي والطائفي ونفوذ مالكيها

   


اعلان تجاري

أعمدة

عن التظاهر على الحكومة الجديدة
جمال الخرسان 
الضحية قناعا
عقيل عبد الحسين 
الشيوعيون وتبدل الأزمان
سلوى زكو 
التحالف (السني) ضد داعش
منتظر ناصر 

رأي



داعش والعمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي
نازلي إيليجاق
 
البحرين تتلقى الخطة السياسية الأخيرة بتظاهرات منددة
سايمون هندرسون
 
تسليم صنعاء للحوثيين ستدفع ثمنه دول الخليج!
د. خيام الزعبي
 
أوباما ضد الدولة الإسلامية
آن ماري سلوتر
 
تركيا.. مذكرة سوريا والعراق
مصطفى أونال
 

ثقافة



بغداد – العالم الجديد
تمهيد لدراسة فلسفة الدين


مشروع المونودراما التعاقبية - فاروق صبري


(مراوغون قساة).. جديد القاص الأردني يوسف ضمرة


أزمنة اللاعشق

 

 
أصداء الكتابة
 
عقيل عبد الحسين

الاثنين 29 أيلول 2014


الضحية قناعا
 

موضوع هذه المقالة هو المقدمة التي يضعها كاتب لغير كتابه. ولتحديد أكثر، المقدمات التي تؤكد سرديات الضحايا القائمة على أن المثقف هو ضحية من ضحايا النظام العام؛ سياسيا كان، أم ثقافيا، أم اجتماعيا. ذلك ما تؤكده سيرته، كما في حالة مقدمة على جعفر العلاق لكتاب تحولات الشجرة الذي نُشر بعد وفاة مؤلفه محسن اطيمش.

 

وأن يكتب المقدمة غير مؤلف الكتاب، فهذا يعني وجود تقارب نفسي وثقافي بين كاتب المقدمة وصاحب الكتاب، ويعني في حالة سرد الضحايا أن الاثنين يشتركان في جوانب كثيرة من بينها، ومن أهمها، أنهما ضحيتان من ضحايا النظام السياسي. وأنهما لم يمتلكا إزاء ظلمه وقسوته أية قدرة على الفعل، ولعلهما لا يختلفان فيما يقدمانه، من خسارة معنوية وجسدية، عن آلاف العراقيين من الضحايا. وتلك التماثلات هي التي تحث على كتابة المقدمة التي تأتي (وخلافا للمقدمات الاعتيادية للكتب الشعرية والنقدية التي تركز في موضوع الكتاب وأهميته وقيمته) استذكارا عاطفيا بكائيا لسيرة مؤلف الكتاب، ولمعاناته، ولنهايته المأساوية، وعلى نسق سردي تصاعدي يبدأ بالأقدم من الأحداث، وصولا إلى النهاية، مع الإشارة إلى التغيّرات التاريخية التي رافقت محسن اطيمش، وما صاحبها من تطور فكري ونقدي، وما شهدته حياته الشخصية من انتكاسات.

 

تبدأ مقدمة العلاق عن محسن اطيمش بأهمية الأخير الشعرية والإبداعية في واحدة من المرتكزات الأساسية شبه الثابتة في سرديات الضحايا، وهي الأهمية الثقافية والإبداعية الاستثنائية للشخصية، تلك التي تبدأ بها حياتها، وكانت تؤهلها لأن تحقق حضورا إبداعيا مميزا في الوطن. فاطيمش، كما يقول العلاق، حقق في شعره ملامح وجدانية ولغوية تميّزه عن سواه متفوقا حتى على جيله من الستينيين الذين كانوا، ولضرورات التاريخ، أهم كتّاب سرد الضحايا (غير الروائي)، ومن بين أشهر هؤلاء فوزي كريم وفاضل العزاوي. واطيمش الستيني كان منزها عن عيوب الستينين فلم يحفل "كثيرا بالاجتهادات التجريبية أو اللعب اللفظي"، وكان أميل إلى الانضباط الدلالي، وانضباط المخيلة.

 

تحوّل اطيمش، بعد ذلك، إلى النقد. وهذه نقطة مفصلية في تطور سيرته من وجهة نظر العلاق، لأنه "تحولٌ جاء نتيجة لعذابات الإنسان وانكساراته"، في إشارة إلى رغبة المثقف والشاعر في المقاومة عبر النقد الذي يتضمن، في معنى من معانيه، المواجهة، والتصحيح، ورفض الخطأ، أو الانحراف في الكتابة، وفيما وراءها من تفكير أو غايات.

 

ولكن التحول إلى النقد، برغم ما حققه فيه اطيمش من "نتاج يتميز بالرصانة والأكاديمية والاقتدار"، لم يُكتب له النجاح، ولم يكن ليخفف من اندفاعه إلى "غروبه المؤكد بخطى متسارعة". فماذا يستطيع أن يفعل اطيمش، والجيل الستيني، أمام نظام انتهى بالعراق إلى ما انتهى إليه من حروب، ومن حصار اقتصادي؟! 

 

وأمام هذا العجز عن المقاومة بالشعر وبالنقد، وابتداء من التسعينيات، لم يكن يصدر عن اطيمش، ومن داخل العراق، سوى رسائل "حزينة إلى حد يفوق الوصف" يبعث بها إلى عبد العزيز المقالح وإلى العلاق نفسه. وكان فيها "لا يريد إلا الانفلات من أيامه في بغداد بأية طريقة".

 

وسيسافر اطيمش بمساعدة المقالح للعمل في جامعة صنعاء، ليصارع الغربة والمرض لمدة سنتين تنتهي بإرجاعه إلى بغداد راقدا في سيارة الإسعاف التي تنقله إلى المطار، "غارقا في هالة من الذبول والوداعة والاستسلام المطلق لمصيره".

 

وكما ينتهي سرد الضحايا في الغالب تنتهي قصة اطيمش، التي ينسجها العلاق في مقدمة كتاب تحولات الشجرة، عاجزا ويائسا ومحبطا، لم يقم بدور سوى دوره في سرد الضحايا بطلا مهزوما في عصر عصف بعشرات الأبطال، ومن قبلهم، ومن بعدهم، بوطن كان يَعِد بالكثير. ولم يقدم - أي محسن اطيمش في سيرته - إلا تبريرا آخر على عبثية المقاومة، ولا جدواها. تبريرا استله العلاق ليعزز به سرديات الضحايا، ويؤكدها في نفوس القرّاء، الذين، حتما، لن ينتبهوا إلى أن وراءها سعيا للتخفف من العبء الأخلاقي الذي يحمله المثقف كصليبه على ظهره في المنافي، فلم يكن هذا الأخير ليتخلى عن دوره في المقاومة، والإصلاح، لو كان يواجه ظروفا، أو نظاما، غير استثنائيين بالمقاييس كلها، وهاكم المثال - يقول كاتب سرد الضحايا أو المنتمي إلى سردياتها ضمنا - أيها القرّاء، بل الأمثلة، لتتعاطفوا معي، وتقبلوا بي ضحية تمثلكم سرديا، تتماهى معكم، وتتماهون معها.

 

طباعة الصفحة شارك في تويتر شارك في فيسبوك ارسل الى صديق
 

مقالات اخرى للكاتب عقيل عبد الحسين  

 

للتمتع بأفضل مشاهدة ولمزيد من الامان استخدم متصفح Firefox